الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

310

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

المقام الثاني : في شرائط جريان سائر الأصول والكلام فيه يقع تارة في الشبهة الحكميّة وأخرى في الشبهة الموضوعيّة . المورد الأوّل : الشبهات الموضوعيّة فبالنسبة إلى أصالة البراءة نقول : يشترط في جريان البراءة العقليّة التفحّص عن مظانّ أحكام المولى ثمّ إجرائها بعد اليأس عن الظفر بها ، لأنّها عبارة عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، والمراد من البيان إنّما هو البيان في مظانّه ، حيث إنّه لا يشترط فيه الإبلاغ إلى كلّ أحد ، فهو في مثل المعاهد والمنظّمات يتحقّق بنصب الأمر الإداري على لوحة الإعلانات أو إيراده في جريدة رسمية ، ولا يجوز جريان البراءة إلّابعد الفحص عن تلك اللوحة وهذه الجريدة . وبعبارة أخرى : وظيفة المولى إنّما هو بيان تكليفه وإبلاغه بنحو متعارف ، ووظيفة العبد هو الفحص عن بيان المولى في مظانّه المعلومة . هذا في البراءة العقليّة ، وكذلك فيما إذا قلنا بالبراءة العقلائيّة كما هو المختار ؛ لأنّ العقلاء أيضاً لا يجرون البراءة ولا يحكمون ببراءة ذمّة العبد إلّابعد فحصه عن مظانّ البيان . وأمّا البراءة الشرعيّة : فحيث إنّ أدلّتها لفظية كحديث الرفع ، وهي بظاهرها مطلقة ، فمقتضى إطلاقها جواز إجراء البراءة ولو قبل الفحص ، فلابدّ في رفع اليد عن هذا الإطلاق وتقييده بما بعد الفحص من دليل على التقييد ، ولذلك ذكر الأصحاب وجوهاً للتقييد والتامّ منها اثنان : 1 . ما يدلّ على وجوب تحصيل العلم الذي لازمه وجوب الفحص كآيتي السؤال والنفر والروايات الكثيرة الدالّة على ذلك بشكل عامّ مثل ما رواه مسعدة بن زياد قال سمعت جعفر بن محمّد عليه السلام وقد سئل عن قوله تعالى : « فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ » « 1 » ،

--> ( 1 ) . سورة الأنعام ، الآية 149